سيد محمد طنطاوي
19
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقوله * ( وما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ ) * بيان لما سيحل بهم فيما لو أجاب اللَّه - تعالى - مقترحاتهم . و « إذا » حرف جواب وجزاء . و « منظرين » من الإنظار بمعنى التأخير والتأجيل . وهذه الجملة جواب لجملة شرطية محذوفة ، تفهم من سياق الكلام ، والتقدير : ولو أنزل - سبحانه - الملائكة مع الرسول صلى اللَّه عليه وسلم ، وبقي هؤلاء المشركون على شركهم مع ذلك ، لعوجلوا بالعقوبة المدمرة لهم ، وما كانوا إذا ممهلين أو مؤخرين ، بل يأخذهم العذاب بغتة . قال الإمام الشوكاني : قوله * ( وما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ ) * في الكلام حذف . والتقدير : ولو أنزلنا الملائكة لعوجلوا بالعقوبة ، وما كانوا إذا منظرين . فالجملة المذكورة جزاء للجملة الشرطية المحذوفة » « 1 » . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - وقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْه مَلَكٌ ، ولَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ « 2 » . ثم بين - سبحانه - أنه قد تكفل بحفظ هذا القرآن الذي سبق للكافرين أن استهزؤا به ، وبمن نزل عليه فقال - تعالى - : * ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإِنَّا لَه لَحافِظُونَ ) * . أي : إنا نحن بقدرتنا وعظم شأننا نزلنا هذا القرآن الذي أنكرتموه على قلب نبينا محمد صلى اللَّه عليه وسلم * ( وإِنَّا ) * لهذا القرآن * ( لَحافِظُونَ ) * من كل ما يقدح فيه ، كالتحريف والتبديل ، والزيادة والنقصان والتناقض والاختلاف ، ولحافظون له بالإعجاز ، فلا يقدر أحد على معارضته أو على الإتيان بسورة من مثله ، ولحافظون له بقيام طائفة من أبناء هذه الأمة الإسلامية باستظهاره وحفظه والذب عنه إلى أن يرث اللَّه الأرض ومن عليها . قال صاحب الكشاف : قوله * ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ ) * رد لإنكارهم واستهزائهم في قولهم * ( يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْه الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ) * ، ولذلك قال : إنا نحن ، فأكد عليهم أنه هو المنزل على القطع والبتات ، وأنه هو الذي بعث به جبريل إلى محمد صلى اللَّه عليه وسلم ومن بين يديه ومن خلفه رصد حتى نزل وبلغ محفوظا من الشياطين ، وهو حافظه في كل وقت من كل زيادة ونقصان . . . » « 3 » .
--> ( 1 ) تفسير فتح القدير ج 3 ص 122 للشوكاني . ( 2 ) سورة الأنعام الآية 8 . ( 3 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 388 .